مجد الدين ابن الأثير
462
المختار من مناقب الأخيار
وقال محمد بن المثنى : قلت لأحمد بن حنبل : يا أبا عبد اللّه ! ما تقول في هذا الرجل ؟ فقال لي : أي الرجال ؟ فقلت له : بشر بن الحارث . فقال : سألتني عن رابع سبعة من الأبدال ، أو عامر بن عبد قيس ما مثله عندي إلا مثل رجل ركز رمحا في الأرض ، ثم قعد منه على السّنان فهل ترك لأحد موضعا يقعد فيه « 1 » ؟ ولقد ضيّق بشر بن الحارث على أهل هذه المدينة مسالك أقدامهم بورعه ، ولقد رأوا من ورعه شامة لا ينبت عليها شعر أبدا . ثم قال : يا محمد بن المثنى لا ينبغي لأحد من أهل بغداد أن يقتدي بمقامي فيها ، ولقد أعدت صلاة أربعين سنة ، فقلت له : من إمامك في هذا ؟ قال : عبد اللّه بن المبارك : كان إذا أقام ببغداد شهرا يتصدّق بثلاثين دينارا . وكان يسمّيها خزانة السّحت . وقال أحمد بن عبد الرحمن المروزيّ : سمعت بشرا يقول : إنّ الجوع يصفّي الفؤاد ، ويورث العلم الدقيق . وسمعته يقول : طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره « 2 » . وقال : حادثوا الآمال بقرب الآجال « 2 » . وقال : ليس من المروءة أن تحبّ ما يبغض حبيبك « 3 » . وقال عمر « 4 » بن موسى بن فيروز : رأيت بشرا ومعه رجل ، فتقدّم إلى بئر ليشرب منها ماء ، فجذبه بشر وقال : تشرب من البئر الأخرى حتى جاوز ثلاث آبار ، فقال له الرجل : يا أبا نصر ! عطشان . فقال له بشر : اسكت ، فهكذا تدفع الدنيا « 5 » .
--> ( 1 ) إلى هنا الخبر في تاريخ بغداد 7 / 72 ، 73 وتاريخ ابن عساكر 10 / 50 . ( 2 ) صفة الصفوة 2 / 332 . ( 3 ) صفة الصفوة 2 / 333 وفيه : « ليس من المودّة » . ( 4 ) وقع في صفة الصفوة : « عمرو بن موسى بن فيروز » تصحيف ، وهو عمر أبو حفص ، توفي سنة 284 ه ، وترجمته في تاريخ بغداد 11 / 214 . ( 5 ) صفة الصفوة 2 / 333 .